مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

قهوة‭ ‬الصباح

"تسليع المياة"

يقول‭ ‬الأحباش‭: ‬الأمطار‭ ‬تتساقط‭ ‬فوق‭ ‬هضبتنا‭ ‬الإثيوبية‭ ‬وتتجمع‭ ‬فى‭ ‬بحيراتنا‭ ‬وتنطلق‭ ‬إلى‭ ‬النهر‭ ‬الخائن‭ ‬‮«‬النيل‭ ‬الأزرق‮»‬‭ ‬ونحن‭ ‬نقوم‭ ‬بترويضه‭ ‬وتهذيبه‭ ‬بإقامة‭ ‬السدود‭ ‬عليه‭ ‬وهذا‭ ‬حقنا‭ ‬ولن‭ ‬نقبل‭ ‬بفيتو‭ ‬يملى‭ ‬علينا‭ ‬ما‭ ‬نفعل‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬نفعل،‭ ‬تصريحات‭ ‬إثيوبية‭ ‬متتالية‭ ‬مثيرة‭ ‬ومستفزة‭ ‬تستهدف‭ ‬استفزاز‭ ‬مصر‭ ‬ونقل‭ ‬معركة‭ ‬سد‭ ‬إثيوبيا‭ ‬إلى‭ ‬معركة‭ ‬جديدة‭ ‬لثلاثة‭ ‬سدود‭ ‬جديدة،‭ ‬اثيوبيا‭ ‬لديها‭ ‬أزمة‭ ‬داخلية‭ ‬طاحنة‭ ‬تهدد‭ ‬بقاء‭ ‬الدولة‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬عدو‭ ‬وقضية‭ ‬تجمع‭ ‬حولها‭ ‬الشعب‭ ‬الإثيوبي،‭ ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬إثيوبيا‭ ‬نهاية‭ ‬طرفية‭ ‬تحركها‭ ‬أصابع‭ ‬صهيونية‭ ‬وإقليمية‭ ‬للتحكم‭ ‬فى‭ ‬محبس‭ ‬المياه‭ ‬لمصر،‭ ‬لكن‭ ‬مصر‭ ‬تتحرك‭ ‬وفق‭ ‬قواعد‭ ‬حكيمة‭ ‬وقانونية‭ ‬وتمارس‭ ‬صبراً‭ ‬إستراتيجياً،‭ ‬لكن‭ ‬فيما‭ ‬يبدو‭ ‬لى‭ ‬شخصياً‭ ‬أن‭ ‬صبر‭ ‬مصر‭ ‬قد‭ ‬نفد‭ ‬بالفعل،‭ ‬ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬وتسود‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬القادمة‭ ‬مفاهيم‭ ‬‮«‬الأمن‭ ‬المائي‮»‬‭ ‬و»الهيمنة‭ ‬المائية‮»‬‭ ‬و»الاحتكاكات‭ ‬المائية‮»‬‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬العبارة‭ ‬التى‭ ‬تثير‭ ‬قلق‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬أقصاه‭ ‬إلى‭ ‬أقصاه‭ ‬وهى‭ ‬‮«‬حروب‭ ‬المياه‮»‬،‭ ‬وربما‭ ‬كانت‭ ‬أسباب‭ ‬عودة‭ ‬قضايا‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬الاهتمامات‭ ‬الدولية‭ ‬مجدداً‭ ‬يمكن‭ ‬حصرها‭ ‬في‭:‬
أولاً‭: ‬التغيرات‭ ‬المناخية‭ ‬الحادة‭ ‬وارتفاع‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬الأرض‭ ‬وانتشار‭ ‬التصحر‭ ‬والجفاف‭ ‬وبوار‭ ‬الزراعات‭ ‬وانتشار‭ ‬الفقر‭ ‬والمجاعات‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬فى‭ ‬أماكن‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬مما‭ ‬خلق‭ ‬نزاعات‭ ‬مسلحة‭ ‬وصراعات‭ ‬عرقية‭ ‬تبدو‭ ‬فى‭ ‬ظاهرها‭ ‬سياسية‭ ‬لكن‭ ‬فى‭ ‬حقيقتها‭ ‬بسبب‭ ‬شح‭ ‬المياه‭ ‬والصراع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬منها‭ ‬بعد‭ ‬انحسار‭ ‬الأنهار‭ ‬وجفاف‭ ‬العديد‭ ‬منها،‭ ‬ثانياً‭: ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التى‭ ‬ضربت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬دفعت‭ ‬العديد‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬مراجعات‭ ‬إستراتيجية‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬الموارد‭ ‬والحاجات‭ ‬للاعتماد‭ ‬على‭ ‬النفس‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ارتقت‭ ‬قضايا‭ ‬الامن‭ ‬المائى‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬الصدارة،‭ ‬ثالثاً‭: ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬دول‭ ‬المنابع‭ ‬ويدفعها‭ ‬إلى‭ ‬الانقلاب‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬والقانون‭ ‬الدولى‭ ‬المنظم‭ ‬للأنهار‭ ‬الدولية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬لكى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬تسليع‭ ‬المياه‮»‬‭ ‬أى‭ ‬جعلها‭ ‬سلعة‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬الغاز‭ ‬والبترول‭ ‬والمعادن‭ ‬المستخرجة‭ ‬من‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يتم‭ ‬إنشاء‭ ‬بورصات‭ ‬وبنوك‭ ‬ومصارف‭ ‬للمياه‭ ‬وتقف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬التمويل‭ ‬وصناديق‭ ‬الاستثمار‭ ‬فى‭ ‬انتظار‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬التى‭ ‬تتحول‭ ‬فيها‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬تباع‭ ‬وتُشترى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بورصات‭ ‬متخصصة،‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬العبثى‭ ‬الذى‭ ‬يرسمه‭ ‬بعض‭ ‬الشياطين‭ ‬ويسوقونه‭ ‬لبعض‭ ‬دول‭ ‬المنبع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المرور‭ ‬ودول‭ ‬المصب،‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬المكبوت‭ ‬والذى‭ ‬يتم‭ ‬تغذيته‭ ‬سراً‭ ‬بأدوات‭ ‬وأشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬يمثل‭ ‬خرقاً‭ ‬تاريخياً‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬ليس‭ ‬للقوانين‭ ‬الدولية‭ ‬والإنسانية‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬للقوانين‭ ‬الربانية‭ ‬التى‭ ‬رسمها‭ ‬مهندس‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬وطبيبه‭ ‬وخالقه،‭ ‬تلك‭ ‬الأنهار‭ ‬التى‭ ‬تنبع‭ ‬من‭ ‬قمم‭ ‬الجبال‭ ‬حيث‭ ‬محصول‭ ‬الأمطار‭ ‬المتدفقة‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬أرادها‭ ‬مجريها‭ ‬سبحانه،‭ ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬الإيمان‭ ‬الراسخ‭ ‬بأن‭ ‬الأمر‭ ‬كله‭ ‬لله‭ ‬يديره‭ ‬كيفما‭ ‬شاء،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الأخذ‭ ‬بالأسباب‭ ‬والاستعداد‭ ‬بالوعى‭ ‬والفهم‭ ‬والتحرك‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬وإبطال‭ ‬خطط‭ ‬الشياطين‭ ‬والمرتزقة‭ ‬والطامعين‭ ‬والحاقدين‭ ‬بات‭ ‬واجباً‭ ‬وفرض‭ ‬عين‭ ‬علينا‭ ‬جميعاً‭ ‬لا‭ ‬فرض‭ ‬كفاية،‭ ‬فماذا‭ ‬عسانا‭ ‬أن‭ ‬نفعل‭ ‬ونحن‭ ‬وسط‭ ‬أعاصير‭ ‬الأزمة،‭ ‬فمصر‭ ‬دولة‭ ‬مصب‭ ‬والسودان‭ ‬دولة‭ ‬ممر‭ ‬وإثيوبيا‭ ‬دولة‭ ‬منبع،‭ ‬وقضيتنا‭ ‬مع‭ ‬إثيوبيا‭ ‬ليست‭ ‬فى‭ ‬السد‭ ‬وملأه‭ ‬وتخزينه‭ ‬فقط‭ ‬وليست‭ ‬فى‭ ‬السدود‭ ‬المستقبلية‭ ‬المخططة‭ ‬على‭ ‬النيل‭ ‬الأزرق‭ ‬وفقط،‭ ‬القضية‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬وأعمق،‭ ‬فإثيوبيا‭ ‬ترى‭ ‬بعيون‭ ‬جهات‭ ‬دولية‭ - ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونبة‭ - ‬أن‭ ‬النيل‭ ‬الأزرق‭ ‬نهر‭ ‬إثيوبى‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬إثيوبيا‭ ‬أن‭ ‬تمارس‭ ‬سيادتها‭ ‬الكاملة‭ ‬عليه،‭ ‬ونرى‭ ‬أيضاً‭ ‬وبنفس‭ ‬العيون‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الممر‭ ‬والمصب‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬التدخل‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬القانون‭ ‬الدولى‭ ‬فى‭ ‬صفها‭!‬
بيد‭ ‬أن‭ ‬إثيوبيا‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬جهات‭ ‬عديدة‭ ‬ترى‭ ‬فيها‭ ‬قوة‭ ‬إقليمية‭ ‬فى‭ ‬شرق‭ ‬إفريقيا‭ ‬يمكن‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليها‭ ‬فى‭ ‬تجربة‭ ‬وتسويق‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬تسليع‭ ‬المياه‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ماراثون‭ ‬المناكفات‭ ‬التفاوضية‭ ‬العبثية‭ ‬التى‭ ‬استمرت‭ ‬عقدا‭ ‬ونيفا‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬المفاوضات‭ ‬إلا‭ ‬لمزيد‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف،‭ ‬وسط‭ ‬صبر‭ ‬وحكمة‭ ‬مصرية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬مصر‭ ‬لا‭ ‬تنظر‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬السد‭ ‬الإثيوبى‭ ‬الذى‭ ‬تم‭ ‬تشييده‭ ‬وربما‭ ‬دخل‭ ‬الخدمة‭ ‬ولكن‭ ‬انظر‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد،‭ ‬فالخطط‭ ‬الإثيوبية‭ ‬المعلنة‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬ثلاثة‭ ‬سدود‭ ‬جديدة‭ ‬وقطعا‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬مع‭ ‬سد‭ ‬النهضة‭ ‬الذى‭ ‬وُضع‭ ‬حجر‭ ‬أساسه‭ ‬فى‭ ‬أثناء‭ ‬سنوات‭ ‬الفوضى‭ ‬فى‭ ‬2011‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬مجدداً‭ ‬تحت‭ ‬أى‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف،‭ ‬وكذلك‭ ‬تحاول‭ ‬إثيوبيا‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬مياه‭ ‬النيل‭ ‬ومياه‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وفقا‭ ‬‮«‬لإستراتيجية‭ ‬ترابط‭ ‬المياهين‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬تصر‭ ‬أديس‭ ‬أبابا‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬منفذ‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬حيث‭ ‬إنها‭ ‬دولة‭ ‬حبيسة‭ ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬بالاتفاق‭ ‬مع‭ ‬الحكومات‭ ‬الشرعية‭ ‬فى‭ ‬الصومال‭ ‬أو‭ ‬جيبوتى‭ ‬أو‭ ‬إريتريا،‭ ‬وتحاول‭ ‬استخدام‭ ‬نهر‭ ‬النيل‭ ‬كرهينة‭ ‬لحين‭ ‬النفاذ‭ ‬إلى‭ ‬سواحل‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬وسيكون‭ ‬مسار‭ ‬المناورة‭ ‬بفكرة‭ ‬تسليع‭ ‬المياه‭ ‬هى‭ ‬الخطوة‭ ‬الأخيرة‭ ‬فى‭ ‬خارطة‭ ‬الطريق‭ ‬الإثيوبية،‭ ‬بالطبع‭ ‬ما‭ ‬تتجه‭ ‬إليه‭ ‬إثيوبيا‭ ‬يمثل‭ ‬سابقة‭ ‬عالمية‭ ‬ستفتح‭ ‬أبواب‭ ‬جهنم‭ ‬على‭ ‬الامن‭ ‬والسلم‭ ‬الدوليين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اختلال‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المنبع‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ودول‭ ‬الممر‭ ‬والمصب‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخري،‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المنمنمات‭ ‬جاء‭ ‬التحرك‭ ‬المصرى‭ ‬فى‭ ‬منطقة‭ ‬القرن‭ ‬الإفريقى‭ ‬محسوبا‭ ‬ومفهوما‭ ‬ومقدرا‭.